محمد الزيتونية
ترعرع محمد الزيتونية في حي الدرج بمدينة غزة، وعمل مهندسا صوتيا في إذاعة الرأي الحكومية. وكان يظهر في بعض الأحيان على الهواء مباشرة، مخاطبًا المشاهدين بصوته الهادئ. عُرف محمد الزيتونية بطبيعته المرحة بين زملائه في الإذاعة، إذ كان شخصية خفيفة الظل، لا تفارق الابتسامة وجهه.
استشهد محمد الزيتونية عن عمر ٣٧ عاما، في ٢٤ كانون الأول ٢٠٢٣، مع والده وابن عمه محمد العيف، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت بيته في مدينة غزة.
عرض أقل
السلام عليكم. السلام عليكم. أنا أحمد العرجا، إعلامي فلسطيني من غزة. أنا أحمد العرجا، إعلامي فلسطيني من غزة. وأتحدّث اليوم عن صديقين عزيزين استشهدا في بداية الحرب، وأتحدّث اليوم عن صديقين عزيزين استشهدا في بداية الحرب، وهما عاصم البرش ومحمد الزيتونية. وهما عاصم البرش ومحمد الزيتونية.
الحديث عنهما ليس سهلا عليّ، لأنّني لا أتكلم فقط عن زملاء مهنة، الحديث عنهما ليس سهلا عليّ، لأنّني لا أتكلم فقط عن زملاء مهنة، بل عن إخوة من القلب وعن جزء من حياتي وذاكرتي. بل عن إخوة من القلب وعن جزء من حياتي وذاكرتي.
أبدأ أولا بالشهيد عاصم البرش. أبدأ أولا بالشهيد عاصم البرش. عاصم كان شاباً في بداية الثلاثينات متزوجا ولديه، أطفال صغار كانوا يملأون حياته بالحب والأمل. عاصم كان شاباً في بداية الثلاثينات متزوجا ولديه، أطفال صغار كانوا يملأون حياته بالحب والأمل. كان دائما يتحدث بفخر عن عصاميته، عن بداياته المتواضعة وكيف شقّ طريقه بنفسه. كان دائما يتحدث بفخر عن عصاميته، عن بداياته المتواضعة وكيف شقّ طريقه بنفسه. بدأ حياته محاسبا في بنك لكن قلبه لم يكن هناك. بدأ حياته محاسبا في بنك لكن قلبه لم يكن هناك. أحبّ الإعلام والصوت أكثر من أي شيء آخر. أحبّ الإعلام والصوت أكثر من أي شيء آخر. وواجه خلافا مع والده عندما ترك عمله الثابت في البنك ليبدأ من جديد في مجال الإعلام. وواجه خلافا مع والده عندما ترك عمله الثابت في البنك ليبدأ من جديد في مجال الإعلام. كثيرون كانوا قد يستسلمون، لكنه لم يستسلم. كثيرون كانوا قد يستسلمون، لكنه لم يستسلم. أصرّ على أن يتبع حلمه. أصرّ على أن يتبع حلمه. كنت أراه وهو يتحدث عن الصوت، كأنّه يتحدث عن حياة كاملة. كنت أراه وهو يتحدث عن الصوت، كأنّه يتحدث عن حياة كاملة. عمل مهندسا للصوت في الإذاعة، عمل مهندسا للصوت في الإذاعة، وكان من أكثر المهندسين الذين أحببت أن أتعامل معهم. وكان من أكثر المهندسين الذين أحببت أن أتعامل معهم. لم يكن مجرد فني يضغط الأزرار ويعدل المستويات، لم يكن مجرد فني يضغط الأزرار ويعدل المستويات، كان يعشق التفاصيل، يلاحق النغمة، يبحث عن النقاء. كان يعشق التفاصيل، يلاحق النغمة، يبحث عن النقاء. ويضيف لمساته التي تشعر المستمع بالفرق. ويضيف لمساته التي تشعر المستمع بالفرق.
أذكر موقف لا أنساه أبدا: أذكر موقف لا أنساه أبدا: كانت هناك مسابقة نظّمها المكتب الإعلامي الحكومي باسم الشهيدة شيرين أبو عاقلة. كانت هناك مسابقة نظّمها المكتب الإعلامي الحكومي باسم الشهيدة شيرين أبو عاقلة. جئت إليه بفكرة تقرير، جئت إليه بفكرة تقرير، وقلت له: «عاصم أريد أن أشارك». وقلت له: «عاصم أريد أن أشارك». ضرب على صدره وقال بثقة: «أنا معك». ضرب على صدره وقال بثقة: «أنا معك». كتبت النص وسجلنا معا، كتبت النص وسجلنا معا، ثم وضع لمساته الساحرة على الصوت والمونتاج. ثم وضع لمساته الساحرة على الصوت والمونتاج. يومها فزت بجائزة أفضل تقرير حكومي، يومها فزت بجائزة أفضل تقرير حكومي، كنتُ أعرف أنّ الفضل ليس لوحدي، كنتُ أعرف أنّ الفضل ليس لوحدي، بل كان لعاصم الذي جعل من الكلمات لحنا ومن التقرير لوحة متكاملة. بل كان لعاصم الذي جعل من الكلمات لحنا ومن التقرير لوحة متكاملة.
عاصم استشهد برصاص قناصة الاحتلال أثناء محاولته النزوح من شمال القطاع. عاصم استشهد برصاص قناصة الاحتلال أثناء محاولته النزوح من شمال القطاع. يوم وصلني الخبر، لم أصدق. يوم وصلني الخبر، لم أصدق. كيف يمكن أن يختفي فجأة إنسان بهذه الروح وهذا الإبداع؟ كيف يمكن أن يختفي فجأة إنسان بهذه الروح وهذا الإبداع؟ كيف يمكن أن نعيش من بعده دون أن نسمع ضحكته وتعليقاته المهنية؟ كيف يمكن أن نعيش من بعده دون أن نسمع ضحكته وتعليقاته المهنية؟ لقد خسرنا واحداً من أكثر المهندسين احترافا، لقد خسرنا واحداً من أكثر المهندسين احترافا، وخسر أطفاله أبا عظيما. وخسر أطفاله أبا عظيما.
أما الشهيد محمد الزيتونية فكان على النقيض من عاصم في طبيعته، لكنه يكمّله. أما الشهيد محمد الزيتونية فكان على النقيض من عاصم في طبيعته، لكنه يكمّله. محمد كان "فاكهة الإذاعة" كما كنا نحب أن نسميه. محمد كان "فاكهة الإذاعة" كما كنا نحب أن نسميه. كان خفيف الظل، ضحوكا دائما، يدخل إلى المكان فينشر جوا من البهجة. كان خفيف الظل، ضحوكا دائما، يدخل إلى المكان فينشر جوا من البهجة. كنا نقضي معا ساعات طويلة في الاستوديو، وخصوصا في السهرات الإذاعية. كنا نقضي معا ساعات طويلة في الاستوديو، وخصوصا في السهرات الإذاعية. وبين تسجيل وآخر كان يملأ الانتظار بأحاديثه الشيّقة. وبين تسجيل وآخر كان يملأ الانتظار بأحاديثه الشيّقة. كان يحدثني عن طفولته، عن بدايات عمله في مجال الهندسة الصوتية، عن المواقف المضحكة التي مرّ بها في العمل. كان يحدثني عن طفولته، عن بدايات عمله في مجال الهندسة الصوتية، عن المواقف المضحكة التي مرّ بها في العمل. وكان لا يبخل بالحديث عن بيته وأبنائه وأحلامه. وكان لا يبخل بالحديث عن بيته وأبنائه وأحلامه.
أذكر أنه قال لي ذات مرة مبتسما بثقة: «أنا سأعيش طويلا وسأكون مليونيرا»، يتحدث عن نفسه. أذكر أنه قال لي ذات مرة مبتسما بثقة: «أنا سأعيش طويلا وسأكون مليونيرا»، يتحدث عن نفسه. كنا نضحك على هذه الجملة كثيرا. كنا نضحك على هذه الجملة كثيرا. لكنها بقيت محفورة في ذاكرتي، لكنها بقيت محفورة في ذاكرتي، لأنّها كانت تكشف شيئا من أحلامه الكبيرة وروحه المرحة. لأنّها كانت تكشف شيئا من أحلامه الكبيرة وروحه المرحة. محمد لم يكن مجرد زميل عمل. محمد لم يكن مجرد زميل عمل. كان صديقا يخفّف عنك التعب، يجعلك تحب المكان مهما كان ضاغطا. كان صديقا يخفّف عنك التعب، يجعلك تحب المكان مهما كان ضاغطا. كان بارعا في عمله كمهندس الصوت. كان بارعا في عمله كمهندس الصوت. لديه حسّ فني عالٍ وقدرة على تحويل أبسط المواد إلى مادّة إذاعية ممتعة. لديه حسّ فني عالٍ وقدرة على تحويل أبسط المواد إلى مادّة إذاعية ممتعة. كان يعرف كيف يجعل صوت المذيع أكثر وضوحا، كان يعرف كيف يجعل صوت المذيع أكثر وضوحا، وكيف يوازن بين المؤثرات والحوارات، وكيف يخلق جوا إذاعيا حيّا. وكيف يوازن بين المؤثرات والحوارات، وكيف يخلق جوا إذاعيا حيّا.
لكنّ الاحتلال لم يمنحه فرصة أن يعيش طويلا كما كان يحلم. لكنّ الاحتلال لم يمنحه فرصة أن يعيش طويلا كما كان يحلم. قصفوه وقتلوه في بيته قبل أن ينهي الثلاثينات، قصفوه وقتلوه في بيته قبل أن ينهي الثلاثينات، فمات الحلم معه وترك أطفاله بلا أب، فمات الحلم معه وترك أطفاله بلا أب، تماما كما حدث مع أطفال عاصم. تماما كما حدث مع أطفال عاصم. كان الاحتلال أراد أن يقتل الصوت والضحكة معا. كان الاحتلال أراد أن يقتل الصوت والضحكة معا.
اليوم، وأنا أستعيد ذكرياتي معهما، أجد نفسي أمام صورة مزدوجة. اليوم، وأنا أستعيد ذكرياتي معهما، أجد نفسي أمام صورة مزدوجة. عاصم المهني الجاد العاشق للتفاصيل، عاصم المهني الجاد العاشق للتفاصيل، ومحمد خفيف الظل الذي يحول التعب إلى ضحك. ومحمد خفيف الظل الذي يحول التعب إلى ضحك. كلاهما كان يجسد معنى الصحافة الفلسطينية: كلاهما كان يجسد معنى الصحافة الفلسطينية: الإصرار والإبداع والإنسانية. الإصرار والإبداع والإنسانية. لم يكونا مجرد مهندسَي صوت. لم يكونا مجرد مهندسَي صوت. كانا جزءا من الحكاية الإعلامية في غزة، كانا جزءا من الحكاية الإعلامية في غزة، جزءًا من روحنا الجماعية. جزءًا من روحنا الجماعية. رحيلهما لم يكن فقط خسارة شخصية لي ولأصدقائي، رحيلهما لم يكن فقط خسارة شخصية لي ولأصدقائي، بل كان خسارة للإعلام الفلسطيني كله. بل كان خسارة للإعلام الفلسطيني كله. ومع ذلك ستظلّ أصواتهم باقية في ذاكرتنا، ومع ذلك ستظلّ أصواتهم باقية في ذاكرتنا، وستظلّ إنسانيتهما ومهنيتُهما شاهدتين على أنّ الاحتلال لا يقتل الحقيقة وستظلّ إنسانيتهما ومهنيتُهما شاهدتين على أنّ الاحتلال لا يقتل الحقيقة حتى لو قتل الصحفيين. حتى لو قتل الصحفيين.